مجد الدين ابن الأثير

353

المختار من مناقب الأخيار

إني ليهجرني الصديق تجنّيا * وأريه أنّ لهجره أسبابا وأراه إن عاتبته أغريته * فيكون تركي للعتاب عتابا وإذا بليت بجاهل متحكّم * يجد المحال من الأمور صوابا أوليته مني السكوت وربما * كان السكوت عن الجواب جوابا وقال : من ترك التدبير عاش في راحة . وقال جعفر الخلدي : سألت أبا العباس بن مسروق مسألة في العقل فقال لي : يا أبا محمد ! من لم يحترز بعقله لعقله هلك بعقله « 1 » . وقال : مررت مع الجنيد في بعض دروب بغداد فإذا مغنّ يغنّي : منازل كنت تهواها وتألفها * أيّام كنت على الأيام منصورا فبكى الجنيد بكاء شديدا ثم قال : يا أبا العبّاس ! ما أطيب منازل الألف والأنس ! وأوحش مقامات المخالفة ! لا أزال أحنّ إلى بدء إرادتي وجدّة سعيي ، وركوبي الأهوال طمعا في الوصال ؛ وها أنا في أيام الفترة أتلهّف على أوقاتي الماضية . فقال أبو العباس : من يكون « 2 » سروره بغير الحق فسروره يورثه الهموم ، ومن لم يكن أنسه في خدمة ربّه فهو من أنسه في وحشة « 3 » . وقال : كنت آوي إلى مسجد فيه سدرة يأوي إليها بلبلان ، ففقد أحدهما صاحبه ، وبقي الآخر على غصن ثلاثة أيام لا ينزل ولا يلقط من الأرض شيئا ، فلما كان في اليوم الثالث مرّ به بلبل آخر النهار فصاح فذكّره صاحبه ، فسقط البلبل الذي كان على الغصن ميتا « 4 » .

--> ( 1 ) طبقات الصوفية ص 239 . ( 2 ) كذا في ( أ ، ل ) ، وفي طبقات الصوفية والحلية : « من يكن » . ( 3 ) طبقات الصوفية ص 240 و 241 وحلية الأولياء 10 / 214 . ( 4 ) ذكره ابن الملقن في الطبقات ص 89 ، 90 ، والشعراني في الطبقات 1 / 94 .